العيني

167

عمدة القاري

عن مالك عبد الله بن عمر غير روح بن عبادة وجويرية ، وقد تابعهما أيضا عبد الرحمن بن مهدي ، أخرجه أحمد بن حنبل عنه بذكر : ابن عمر . ذكر معناه : قوله : ( بينا ) أصله : بين ، فأشبعت فتحة النون فصار : بينا ، وربما يدخلها : ما ، فيقال : بينما ، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر ، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، وجواب : بينا ، هنا قوله : ( إذا دخل رجل ) ، والأفصح أن يكون فيه : إذ وإذا ، وفي رواية يونس ههنا : بينما ، بالميم ، وفي رواية المستملي والأصيلي وكريمة : ( إذ دخل رجل ) ، وفي رواية غيرهم : ( إذ جاء رجل ) ، والرجل هو : عثمان بن عفان ، رضي الله تعالى عنه ، وقد سماه به ابن وهب وابن القاسم في روايتهما عن مالك في ( الموطأ ) ، وكذلك سماه معمر في روايته عن الزهري ، وكذا وقع في رواية ابن وهب عن أسامة ابن زيد عن نافع عن ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما . وقال أبو عمر : لا أعلم فيه خلافا غير ذلك . قوله : ( من المهاجرين الأولين ) قال الشعبي : هم من أدرك بيعة الرضوان ، وسأل قتادة عن سعيد بن المسيب فقال : هم من صلى إلى القبلتين . قال في ( الكشاف ) : هم الذين شهدوا بدرا . قوله : ( فناداه عمر ) ، أي : قال له : يا فلان . قوله : ( أية ساعة هذه ) أية ، بتشديد الياء آخر الحروف ، وهي كلمة يستفهم بها ، وأنث : أية ، لأجل : ساعة . فإن قلت : قد ذكرت في قوله تعالى : * ( وما تدري نفس بأي أرض تموت ) * ( لقمان : 34 ) . قلت : الأمران جائزان ، يقال : أي امرأة جاءتك ، وأية امرأة جاءتك . قال الزمخشري : قرىء : بأية أرض تموت ، وشبه سيبويه تأنيث : أَ ، بتأنيث : كل ، في قولهم : كلهن ، والساعة اسم لجزء من الزمان مخصوص ، ويطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءا هي مجموع اليوم والليلة ، ويطلق أيضا على جزء ما غير مقدر من الزمان ، ولا يتحقق . وعلى الوقت الحاضر والهندسي بقسم اليوم على اثني عشر قسما ، وكذا الليلة طالا أم قصرا ، فيسمونه : ساعة . فإن قلت : ما هذا الاستفهام ؟ قلت : استفهام توبيخ وإنكار ، فكأنه يقول : لم تأخرت إلى هذه الساعة ؟ وقد ورد التصريح بالإنكار في رواية أبي هريرة ، فقال عمر : ( لم تحتبسون عن الصلاة ؟ ) وفي رواية مسلم : ( فعرض به عمر ، فقال : ما بال رجال يتأخرون بعد النداء ؟ ) فإن قلت : هل صدر هذا كله عن عمر ، رضي الله تعالى عنه ؟ قلت : الظاهر ذلك ، ولكن حفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر . فإن قلت : ما كان مراد عمر من هذه المقالة ؟ قلت : التنبيه إلى ساعات التبكير التي وقع فيها الترغيب ، لأنها إذا انقضت طوت الملائكة الصحف ، كما ورد في الحديث . فإن قلت : هل فهم عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، هذا من عمر ، رضي الله تعالى عنه ؟ قلت : نعم ، فلذلك بادر إلى الاعتذار عن التأخير بقوله : ( إني شغلت . . . ) إلى آخره ، وهو على صيغة المجهول ، وقد بين شغله في رواية عبد الرحمن بن مهدي حيث قال : انقلبت من السوق فسمعت النداء ، والمراد به الأذان بين يدي الخطيب . قوله : ( فلم أنقلب إلى أهلي ) الانقلاب : الرجوع من حيث جاء ، وهو انفعال من : قلبت الشيء إذا كببته أوردته . قوله : ( حتى سمعت التأذين ) ، وفي رواية أخرى : ( النداء ) ، وهو بكسر النون أشهر من ضمها . قوله : ( فلم أزد أن توضأت ) كلمة : أن ، هذه صلة زيدت لتأكيد النفي . قوله : ( والوضوء أيضا ؟ ) جاءت الرواية فيه بالواو وحذفها ، وبنصب الوضوء ورفعهما . أما وجه وجود الواو فهو أن يكون للعطف على الإنكار الأول ، وهو قوله : ( أية ساعة هذه ؟ ) لأن معنى الإنكار : ألم يكفك أن أخرت الوقت وفوت فضيلة السبق حتى اتبعته بترك الغسل والقناعة بالوضوء ؟ فتكون هذه الجملة المبسوطة مدلولاً عليها بتلك اللفظة . وقال القرطبي : الواو ، عوض من همزة الاستفهام ، كما قرأ ابن كثير : * ( قال فرعون وآمنتم به ) * ( الأعراف : 123 ) . وأما وجه حذف الواو فظاهر ، ولكن يكون لفظ الوضوء بالرفع والنصب . أما وجه الرفع فعلى أنه مبتدأ قد حذف خبره ، تقديره : الوضوء أيضا يقتصر عليه ؟ ويجوز أن يكون خبرا محذوف المبتدأ تقديره : كفايتك الوضوء أيضا ؟ وأما وجه النصب فهو على إضمار فعل التقدير : أتتوضأ الوضوء فقط ؟ يعني : اقتصرت على الوضوء وحده ؟ قوله : ( أيضا ) منصوب على أنه مصدر من : آض يئيض ، أي : عاد ورجع . قال ابن السكيت : تقول فعلته أيضا إذا كنت قد فعلته بعد شيء آخر ، كأنك أفدت بذكرهما الجمع بين الأمرين أو الأمور . قوله : ( وقد علمت ) جملة حالية أي : والحال أنك قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل لمن يريد المجيء إلى الجمعة . ذكر ما يستفاد منه : فيه : القيام للخطبة وأنه من سننها وأنه على المنبر . وفيه : تفقد الإمام رعيته وأمره لهم بمصالح دينهم وإنكاره على من أخل بالفضل . وفيه : مواجهة الإمام بالإنكار للتكبير ليرتدع من هو دونه بذلك . وفيه : أن الأمر